الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري

الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري

 

المصاحف

المصحف تنزيلات

فهرس القرآن الكريم الكريمmp3 القرآن الكريم مكتوب

9مصاحف
/ / / /  / / /

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 8 يونيو 2022

ابن حزم - المحلى كتاب الصلاة (مسألة 336) المؤلف: ابن حزم

تابع تجميع بر الوالدين

ابن حزم - المحلى كتاب الصلاة (مسألة 336) المؤلف: ابن حزم كتاب الصلاة (مسألة 337 - 343)
كتـاب الصلاة 
أوقـــات الصـلاة
336 - مسألة : وتعجيل جميع الصلوات في أول أوقاتها أفضل على كل حال ؛ حاشا العتمة ؛ فإن تأخيرها إلى آخر وقتها في كل حال وكل زمان أفضل ؛ إلا أن يشق ذلك على الناس ؛ فالرفق بهم أولى ، وحاشا الظهر للجماعة خاصة في شدة الحر خاصة ، فالإبراد بها إلى آخر وقتها أفضل . برهان ذلك : قول الله تعالى : {
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وقال تعالى : { والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم } فالمسارعة إلى الخير والمسابقة إليه أفضل بنص القرآن ؟ حدثنا محمد بن إسماعيل العذري القاضي بالثغر ، ومحمد بن عيسى قاضي طرطوشة قالا ثنا محمد بن علي المطوعي الرازي ثنا محمد بن عبد الله الحاكم بنيسابور ثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد السماك ثنا الحسن بن مكرم ثنا عثمان بن عمر ثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال { سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها ، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ؛ قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين } . حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن حبيب الحارثي ثنا خالد بن الحارث ثنا شعبة أخبرني سيار بن سلامة قال : سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو برزة { كان عليه السلام لا يبالي بعض تأخيرها إلى نصف الليل - يعني العشاء الآخرة - ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها وكان يصلي الظهر حين تزول الشمس ، والعصر حين يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية ، وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه ، وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة } . والأحاديث في هذا كثيرة جدا ؟ وبه إلى مسلم : حدثني زهير بن حرب وإسحاق بن راهويه كلاهما عن جرير هو ابن عبد الحميد - عن منصور هو ابن المعتمر - عن الحكم هو ابن عتيبة - عن نافع عن ابن عمر { مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلثه أو بعده - يعني ثلث الليل فقال : إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى } . وقد روينا من طريق ثابت البناني أنه سمع أنس بن مالك يقول { أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل ، أو كاد يذهب شطر الليل } ومن طريق أم كلثوم بنت أبي بكر عن أختها عائشة { أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل } . قال علي : إذا ذهب نصف الليل فقد ذهب عامة الليل ؛ وهذه الأخبار زائدة على كل خبر ؟ والسند المذكور إلى مسلم : حدثني محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة سمعت مهاجرا أبا الحسن يحدث أنه سمع زيد بن وهب يحدث عن أبي ذر قال { أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالظهر فقال النبي ﷺ أبرد أبرد ، أو قال : انتظر انتظر ، إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ، قال أبو ذر : حتى رأينا فيء التلول } . قال علي : وإنما لم نحمل هذا الأمر على الوجوب لما رويناه بالسند المذكور إلى مسلم ، ثنا أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب { شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الرمضاء فلم يشكنا } . قلت لأبي إسحاق : أفي الظهر في تعجيلها ؟ قال : نعم وقد جاء نحو ما تخيرناه في الأوقات عن السلف كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير بن مطعم : أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري : أن صل الظهر إذا زالت الشمس وأبرد ؟ . ومن طريق الحجاج بن المنهال : ثنا يزيد بن هارون ثنا محمد بن سيرين عن المهاجر : أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري : أن صل الظهر حين تزيغ الشمس أو حين تدرك ، وصل العصر والشمس بيضاء نقية ، وصل صلاة المغرب حين تغرب الشمس ، وصل صلاة العشاء من العشاء إلى نصف الليل - : أي حين تبيت ، وصل صلاة الفجر بغلس ، أو بسواد ؛ وأطل القراءة . ومن طريق مسلم بن الحجاج : ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد هو ابن زيد - عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق : { خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة ، فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة فقال له ابن عباس : أتعلمني بالسنة ، لا أم لك رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . } ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي : ثنا سفيان الثوري عن عثمان بن عبد الله بن موهب : سمعت أبا هريرة سئل عن تفريط الصلاة ؟ فقال : أن تؤخرها إلى التي بعدها ؟ حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع : أن ابن عمر كان يقول : سمعت رسول الله ﷺ يقول { إن الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله } ، فقلت لنافع : حتى تغيب الشمس ؟ قال : نعم . قال علي : هذا الحديث والذي فيه { إنما التفريط في اليقظة ، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى } يكذبان قول من أقدم بالعظيمة فقال : إن رسول الله ﷺ ترك صلاة العصر يوم الخندق ذاكرا لها حتى غابت الشمس ؛ لأنه لو كان ذلك لكان عليه السلام قد تعمد حالا من الحرمان صار فيها كما لو وتر أهله وماله ، قاصدا إلى ما ذمه من التفريط - ، وهذا لا يقوله مسلم ؟ . وبه إلى ابن جريج : قلت لعطاء : إمام يؤخر العصر ؛ أصليها معه ؟ قال : نعم ، الجماعة أحب إلي ؟ قلت : وإن اصفرت الشمس للغروب ولحقت برءوس الجبال ؟ قال : نعم ، ما لم تغب قال ابن جريج : وكان طاوس يعجل العصر ويؤخرها ؛ أخبرني إبراهيم بن ميسرة عنه : أنه كان يؤخر العصر حتى تصفر الشمس جدا . وأما الآخر : الذي فيه { لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا الصلاة إلى اشتباك النجوم ؟ } فإنه لا يصح ؛ لأنه مرسل ؛ لم يسند إلا من طريق الصلت بن بهرام . وقال أبو حنيفة : وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر المعترض إلى أن تطلع الشمس ، يعني إثر سلامه منها ؟ قال : وتأخيرها أحب إلي من التغليس بها ؛ لأنه أكثر للجماعة . ووقت الظهر من حين تزول الشمس إلى أن يكون الظل دون القامتين ؛ والتهجير بها في الشتاء أحب إلي : وأن يبرد بها في الصيف أعجب إلي . ووقت العصر إذا كان الظل قامتين إلى قبل أن تغيب الشمس ، يريد - : أن يكبر لها قبل تمام غروب الشمس ؛ وتأخيرها أحب إليه ما لم تصفر الشمس . ووقت المغرب مذ تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق ، وتعجيلها أحب إليه . ووقت العتمة مذ يغيب الشفق إلى نصف الليل ، وتأخيرها أفضل ، ووقتها يمتد إلى طلوع الفجر . قال علي : كل ما قال مما خالفناه فيه فقد أبدينا بالبرهان سقوط قوله ؛ إلا تأخير الصبح ، فإنه احتج في ذلك [ بخبر ] من طريق محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال : { أسفروا بصلاة الغداة ، فإنه أعظم لأجركم } { أسفروا بالفجر ، فكلما أسفرتم فإنه أعظم للأجر أو لأجركم } قال علي : محمود بن لبيد ثقة ، وهو محمود بن الربيع بن لبيد . والخبر صحيح إلا أنه لا حجة لهم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله عليه السلام في التغليس ؛ حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن ، أو حين يعرف الرجل وجه جليسه الذي كان يعرفه ؛ وأن هذا كان المداوم عليه من علمه . عليه السلام صح أن الإسفار المأمور به إنما هو بأن ينقضي طلوع الفجر ولا يصلي على شك منه فإن قيل : إنه لا أجر في غير هذا ، بل ما فيه إلا الإثم ؟ قلنا : هذا لا ينكر في لغة العرب ؛ لأن الله تعالى يقول { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم } ولا خير في خلاف ذلك ومن الباطل أن يكون رسول الله ﷺ يكلف أمته وأصحابه المشقة في ترك النوم ألذ ما يكون ، وخروج الرجال والنساء إلى صلاة الصبح - : عملا فيه مشقة وكلفة وحطيطة من الأجر ؛ ويمنعهم الفضل والأجر مع الراحة ؛ حاشا لله تعالى من هذا ؛ فهذا ضد النصيحة ، وعين الغش والحرج والظلم . وما ندريهم تعلقوا في هذا إلا برواية عن ابن مسعود في التغليس بصلاة الصبح حين انشق الفجر يوم النحر ، وقوله رضي الله عنه : إنها صلاة حولت عن وقتها في ذلك اليوم في ذلك المكان ، وهذا خبر مسقط لقولهم جملة ؛ لأنهم مخالفون له جملة ؛ إذ قولهم الذي لا خلاف عنهم فيه : أن التغليس بها في أول الفجر ليس صلاة لها في غير وقتها ؛ بل هو وقتها عندهم ؟ فمن أضل ممن يموه بحديث هو مخالف له ؛ ويوهم خصمه أنه حجة له . وأما قولهم في اختيار تأخير العصر : فقول مخالف للقرآن في المسارعة إلى الخير - ولجميع السنن ، ولجميع السلف ؛ وللقياس على قوله في صلاة الظهر والمغرب ؟ وقال مالك : وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس ، ووقت المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر ، والصبح إلى طلوع الشمس - وأحب إليه في الصبح : التغليس . وأحب إليه في صلاة الظهر : أن تصلى في البرد والحر إذا فاء الفيء ذراعا ، وأحب إليه : أن تصلى العصر والشمس بيضاء نقية ؟ وتعجيل المغرب إلا للمسافر ؛ فلا بأس بأن تمد الميلين ونحوهما . والعتمة : إثر مغيب الشفق قليلا ؟ قال علي : أما قوله في اتصال وقت الظهر إلى غروب الشمس ، ووقت المغرب إلى صلاة الفجر ؟ فقول مخالف لجميع السنن ؛ ولا نعلمه عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ؛ ولا عن أحد من التابعين - إلا عن عطاء وحده وأما قوله في وقت العتمة ؟ فلا نعلم اختياره أيضا عن أحد من السلف وأما قوله في وقت الظهر ؟ فإنه عول على الرواية عن عمر رضي الله عنه : أن صل الظهر إذا فاء الفيء ذراعا . وقد ذكرنا الروايات المترادفة عن عمر رضي الله عنه : بأن تصلى إذا زاغت الشمس وأن يبرد بها . روى ذلك عنه : عائشة أم المؤمنين ، وابنه عبد الله ، ونافع بن جبير ، ومهاجر أبو الحسن ، وأبو العالية ، وعروة بن الزبير ، وأبو عثمان النهدي ، ومالك جد مالك بن أنس وروته عائشة مسندا ، ومن فعل أبي بكر أيضا ؟ ورويناه أيضا عن علي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وابن مسعود وغيرهم ؟ وإن ذكروا : أنه قد روي عن ابن عباس : وقت العتمة إلى صلاة الفجر ؛ وعن أبي هريرة : الإفراط في العتمة إلى صلاة الفجر ؟ - : فإنهم قد خالفوا ذلك الأثر عن ابن عباس ؛ لأن فيه : وقت الظهر إلى وقت العصر ؛ ووقت المغرب إلى وقت العشاء ؟ وإذا اختلف الصحابة فالرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من القرآن والسنة . قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } .





=









الجامع لأحكام القرآن – سورة البقرة الآية رقم 83 القرطبي الآية رقم 84

الآية رقم 83




الآية: 83 { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ }

فيه عشر مسائل:

الأولى: قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ } تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ. واختلف في الميثاق هنا، فقال مكي: هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر. وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم

وهو قوله: "لا تعبدون إلا الله" وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه

الثانية: قوله تعالى: { لا تَعْبُدُونَ } قال سيبويه: { لا تَعْبُدُونَ } متعلق بقسم، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون، وأجازه المبرد والكسائي والفراء. وقرأ أبي وابن مسعود "لا تعبدوا" على النهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال: "وقوموا، وقولوا، وأقيموا، وآتوا". وقيل: هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا. وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي "يعبدون" بالياء من أسفل. وقال الفراء والزجاج وجماعة: المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يسفكوا الدماء، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما، كقوله تعالى: { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي }. قال المبرد: هذا خطأ، لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا، تقول: وبلد قطعت، أي رب بلد.

قلت: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه:

ألا أيها ذا الزاجري أحْضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها

الثالثة: قوله تعالى: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا. وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [1]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما، على ما يأتي بيانه مفصلا في "الإسراء" إن شاء الله تعالى.

الرابعة: قوله تعالى: { وَذِي الْقُرْبَى } عطف ذي القربى على الوالدين. والقربى: بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة "القتال" إن شاء الله تعالى.

الخامسة: قوله تعالى: { وَالْيَتَامَى } اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم، مثل ندمى جمع نديم. واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم. وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم، والأول المعروف. وأصله الانفراد، يقال: صبي يتيم، أي منفرد من أبيه. وبيت يتيم: أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر. ودرة يتيمة: ليس لها نظير. وقيل: أصله الإبطاء، فسمي به اليتيم، لأن البر يبطئ عنه. ويقال: يتم ييتم يتما، مثل عظم يعظم. ويتم ييتم يتْما ويتَما، مثل سمع يسمع، ذكر الوجهين الفراء. وقد أيتمه الله. ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله، على ما يأتي بيانه في "النساء". وقال رسول الله ﷺ: "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة". وأشار مالك بالسبابة والوسطى، رواه أبو هريرة [2].

وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبدالرحمن عن هِصّان عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان". وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا: وما كريمتاه؟ قال: - عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه البتة

إلا أن يعمل عملا لا يغفر" فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال: يا رسول الله أو اثنتين؟ فقال رسول الله ﷺ: "أو اثنتين". فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال: هذا والله من غرائب الحديث وغرره

السادسة: السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة، لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد. وتسمى أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. وروي عن أصابع رسول الله ﷺ أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبدالله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت: خرجت في حجة حجها رسول الله ﷺ فرأيت رسول الله ﷺ على راحلته وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه. فقوله عليه السلام: "أنا وهو كهاتين في الجنة"، وقوله في الحديث الآخر: " أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا" وأشار بأصابعه الثلاث، فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال: نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله ﷺ صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة. وهذا معنى بعيد، لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة.

السابعة: قوله تعالى: { وَالْمَسَاكِينِ } "المساكين" عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال -

وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر". قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله.

الثامنة: قوله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } { حُسْناً } نصب على المصدر على المعنى، لأن المعنى ليحسن قولكم. وقيل: التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن، فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة والكسائي "حسنا" بفتح الحاء والسين. قال الأخفش: هما بمعنى واحد، مثل البُخل والبَخل، والرشد والرشد. وحكى الأخفش: "حسنى" بغير تنوين على فعلى. قال النحاس: "وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر "حسنا" بضمتين، مثل "الحلم". قال ابن عباس: المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. ابن جريج: قولوا للناس صدقا في أمر محمد ﷺ ولا تغيروا نعته. سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: { فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً } [3]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي؟؟. وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: "لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء". وقيل: أراد بالناس محمدا ﷺ، كقوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [4]. فكأنه قال: قولوا للنبي ﷺ حسنا.

وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } منسوخ بآية السيف. وحكاه أبو نصر عبدالرحيم عن ابن عباس. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ابن عطية: وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، والله اعلم.

التاسعة: قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } تقدم القول فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل، ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد ﷺ.

قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص.

العاشرة: قوله تعالى: { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } الخطاب لمعاصري محمد ﷺ، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم، كما قال: "شنشنة أعرفها من أخزم". { إِلاَّ قَلِيلاً } كعبدالله بن سلام وأصحابه. و"قليلا" نصب على الاستثناء، والمستثنى عند سيبويه منصوب، لأنه مشبه بالمفعول. وقال محمد بن يزيد: هو مفعول على الحقيقة، المعنى استثنيت قليلا. "وأنتم معرضون" ابتداء وخبر. والإعراض والتولي بمعنى واحد، مخالف بينهما في اللفظ. وقيل: التولي فيه بالجسم، والإعراض بالقلب. قال المهدوي: { وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } حال، لأن التولي فيه دلالة على الإعراض.


هامش

[لقمان: 14]


[وأخرجه مسلم]


[طه: 44]

[النساء: 54]

================================





فصل في تعارض الحسنات والسيئات

فصل جامع في تعارض الحسنات، أو السيئات، أو هما جميعا. إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما، بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا. وقد كتبت ما يشبه هذا في قاعدة الإمارة والخلافة وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فنقول: قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة، وإن كان الواجب مستحبا وزيادة. ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة والدين هو طاعته وطاعة رسوله وهو الدين والتقوى، والبر والعمل الصالح، والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه الأسماء فروق. وكذلك حمد أفعالا هي الحسنات ووعد عليها وذم أفعالا هي السيئات وأوعد عليها وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة فقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [1] وقال تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [2] وقال تعالى: { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } [3] وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى المحاسبة على ما في النفوس وهو من جنس أعمال القلوب وسبب الثانية الإعطاء الواجب. وقال: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } [4] وقال: { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [5] وقال: { يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ } [6] وقال: { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } [7] وقال: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [8] وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } [9] الآية وقال: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [10] وقال: { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } [11] وقال: { لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ } [12]. وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا أنواعا. وقال في المنهيات: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } [13] وقال: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } [14] { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [15] { لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا } [16] { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ } [17] { وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ } [18] وقال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } [19] الآية. وقال في المتعارض: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } [20] وقال: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [21] وقال: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [22] وقال: { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } [23] وقال: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا } [24] { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ } إلى قوله: { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } [25] وقال: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ } إلى قوله: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ } [26]. ونقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة: كان في تركها مضار والسيئات فيها مضار وفي المكروه بعض حسنات. فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما، فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما، فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما. وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما، بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة، وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة، فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة. فالأول كالواجب والمستحب، وكفرض العين وفرض الكفاية، مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع. والثاني كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين، وتقديم نفقة الوالدين عليه كما في الحديث الصحيح: { أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين قلت. ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب وإلا فقد يترجح الذكر بالفهم والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع. والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ } [27] وكتقديم قتل النفس على الكفر كما قال تعالى: { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } [28] فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة عن الإيمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر، لدفع ما هو أعظم ضررا منها، وهي جرائمها، إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير. وكذلك في " باب الجهاد " وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل: الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفي أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله. وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء، فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان. ومن يسوغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجلاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل، وقتال البغاة وغير ذلك ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت. وهذا باب واسع أيضا. وأما الرابع: فمثل أكل الميتة عند المخمصة، فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة وعكسه الدواء الخبيث، فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه، ولأن البرء لا يتيقن به وكذلك شرب الخمر للدواء. فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية. وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا، وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا، كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع، بخلاف الباب الأول، فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه بل ذلك ثابت في العقل كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين وينشد:

إن اللبيب إذا بدا من جسمه ** مرضان مختلفان داوى الأخطرا

وهذا ثابت في سائر الأمور، فإن الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع المرض، والفساد أداة تزيدهما معا، فإنه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافا للمرض وعند ضعف القوة فعله لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابهما جميعا، فإن ذهاب القوة مستلزم للهلاك ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم لكن عدمه أشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان كما قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان. ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن لكن أقول هنا، إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدا وقدرة: جازت له الولاية وربما وجبت وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو وقسم الفيء وإقامة الحدود وأمن السبيل: كان فعلها واجبا فإذا كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك: صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فيكون واجبا أو مستحبا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسنا ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئا. وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل أما النية فبقصده. السلطان والمال وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح. ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب. أو أحب فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى. ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارا كما قال تعالى: { وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ } [29] الآية وقال تعالى عنه: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم } [30] الآية ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في قوله: { فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [31]. فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة. وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر. ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء. هذا وقد قال النبي ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك». وهذا باب التعارض باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات». فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل وقد يكون الواجب في بعضها - كما بينته فيما تقدم -: العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط. مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلا لمعصية أكبر منها فيترك الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررا من ذنبه ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر. فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب الإمكان فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ تسليما إلى بيانها. يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } [32] والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلا وهذه أوقات الفترات فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع. ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل والله أعلم. ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علما وعملا أن ما قاله العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد فإذا لم ير العالم الآخر والأمير الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة ولا ينهى عنه إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده ولا أن يوجب عليه اتباعه فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى عنها بل هي بين الإباحة والعفو. وهذا باب واسع جدا فتدبره.
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في تعارض الحسنات والسيئات
ابن تيمية فصل في الحسنات والعبادات ثلاثة أقسام



=============


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق