الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري

الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري

 

المصاحف

المصحف تنزيلات

فهرس القرآن الكريم الكريمmp3 القرآن الكريم مكتوب

9مصاحف
/ / / /  / / /

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 8 يونيو 2022

وجوب بر الوالدين والتحذير من عقوق الوالدين

من روابط الالوكة 

وجوب بر الوالدين والتحذير من عقوق الوالدين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فإن صاحب الفطرة السليمة بفطرته يقابل الإحسان بالإحسان، وإن أعظم من أحسن إلى الإنسان بعد الله عز وجل هما والداه، فهما أوْلَى الناس برد الجميل.

 

وإذا كنت يا عبدالله ترعى الحقوق، فإن أعظم حقٍّ عليك بعد حق الله تعالى هو حق والديك؛ فقد ذكر الله تعالى حقَّهما مقرونًا بحقه؛ فقال سبحانه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[الإسراء: 23]، 

 ومهما قدَّم لك أحدٌ من البشر خدمة أو مساعدة، فلن تعدِلَ ما قدمه لك والداك؛ فهما أولًا جعلهما الله سببًا في وجودك، ثم تأمل كم تعبا في حياتهما لترتاح، وكم سهرا لتنام، مَن الذي علمك كيف تأكل وتشرب؟ من علمك كيف تتكلم وكيف تمشي؟ أليس والديك؟

 

كم أصابهما من الهموم والغموم من أجلك؛ إذا مرضتَ تألما أكثر من ألمك، وإذا حصل لك أذًى، فتأكد أنهما تأذَّيا أكثر منك، بذلا كل ما يستطيعان لإسعادك، وإن منعاك من شيء فلأجل مصلحتك وخوفًا عليك، أو على مستقبلك، فلن تجد أعظم من تضحيات الوالدين، ومهما تكلم المتكلمون وعبَّر البُلَغاء في فضل الوالدين، فلن يوفوهما حقهما.

 

أخي الكريم...

هذه أمك حملتك وتحملتك في بطنها تسعة أشهر، وتألمت أشد الألم عند ولادتك، وصبرت على صراخك وإطعامك، وتنظيفك وتربيتك؛ كما قال سبحانه: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا[الأحقاف: 15]، فهي أحق الناس بصحبتك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

و((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: ويحك، أحيَّةٌ أمك؟ قلت: نعم، يا رسول الله، قال: ويحك، الزم رجلها، فثَمَّ الجنة))؛ [رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الألباني].

 

ومهما قدمتَ لأمك، فلن توفيَها حقها، ولكن ما تقدمه لها من برٍّ وإحسان شيءٌ يسير جدًّا من رد الجميل، واسمع هذه القصة القصيرة: عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، قال: ((كان ابن عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت، فرأى رجلًا يطوف بالبيت حاملًا أمه وهو يقول:

إني لها بعيرها المذلَّل *** إن ذعِرَتْ رِكابها لم أذعر

أحملُها وما حملَتْنِي أكثر

أتراني يا ابن عمر جزيتها؟ قال: لا ولا زفرة واحدة.

 

أخي الكريم...

وهذا أبوك الذي تعب من أجلك منذ صغرك، يعمل دون كلل أو ملل، ويتحمل مشقة العمل من أجلك ولتوفير لقمة العيش لك، ويتحمل المخاطر لتعيش أنت حياة كريمة، حتى كبرت، فأحسِنْ إلى والدك؛ فإن إحسانك إليه من أسباب دخولك الجنة، وانظر ماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق الوالد، يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك الباب أو احفظه))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

 

ولن يوفيَ ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكًا فيُعتقه؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزي ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه))؛ [رواه الإمام مسلم].

 

ولمكانة الوالدين قرن الله تعالى برَّهما بالأمر بتوحيده وعبادته؛ فقال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[النساء: 36].

 

وأمرنا الله أن نكون متذللين مع الوالدين، وأن ندعوَ لهما؛ فقال سبحانه: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24]، 

 هكذا يجب أن تكون أمام والديك ذليلًا متواضعًا خافضًا صوتك؛ كما قال ابن عباس: "كالعبد الآبق أمام سيده الغليظ"، ولو كنت بلغت أعلى الرتب ووالداك أمِّيَّان لا يُلتفَت إليهما.

 

وحتى لو كانا كافرين ويجاهدان الابن على أن يشركا بالله، فالابن مأمور بإحسان مصاحبتهما مع عدم الاستجابة لدعوتهما للشرك؛ قال سبحانه: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[لقمان: 15]، فكيف بالوالدين المؤمنَيْنِ اللذين يأمران بطاعة الله، لا شك أنهما أولى بالإحسان والبر.

 

إن من البر أن تصلَ أصدقاءَ الوالدين وأهل أصدقائهما، ولو بعد موت الوالدين؛ ففي الحديث: ((أن ابن عمر رضي الله عنه كان ماشيًا بطريق مكة، فمرَّ به أعرابيٌّ، فقال: ألست فلان بن فلان؟ فقال: بلى، فأعطاه حماره الذي كان يركبه، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة التي كانت على رأسه، وقال: اشدُدْ بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك، أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يوليَ، وإن أباه كان صديقًا لعمر))؛ [رواه الإمام مسلم].

 

فانظر إلى مكانة الوالدين في هذا الدين العظيم، وانظر إلى برِّ ابن عمر رضي الله عنه، كيف أكرم الأعرابي وهو ليس صديق أبيه، وإنما ابن صديق أبيه، فكيف لو لقيَ صديق أبيه؟

 

أيها الإخوة الكرام...

إذا نظرنا إلى حال الصالحين مع أمهاتهم وآبائهم، نجد من البر عجبًا؛ فهذا ابن عون نادته أمه فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين.

 

وكان ابن المنكدر من التابعين يضع خده على الأرض، ويقول لأمه: "قومي ضعي قدمك على خدي".


وكان زين العابدين من أبر الناس ولا يأكل مع أمه في صحن واحد، فقيل له في ذلك فقال: "أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها".

 

وقيل لأحدهم: كيف كان بر ابنك بك؟ قال: "ما مشينا نهارًا قط إلا مشى خلفي، ولا مشينا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحًا وأنا تحته".

 

أيها الأحبة في الله...

إذا كان بر الوالدين من أعظم الواجبات وأجلِّ القربات، فإن عقوق الوالدين أو الإساءة إليهما من كبائر الذنوب والآثام، ومما يوجب سخط الجبار سبحانه، فرضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما؛ كما صح عنه صلى الله عليه وسلم.

 

أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)).

 

وقد نهى الله تعالى عن أقل كلمة فيها إساءة إليهما، لا سيما إذا كبر سنُّهما وأصبحا في حاجة إلى أبنائهما؛ قال سبحانه: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا[الإسراء: 23]، وكلمة (أف): اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر.

 

هذا النهي عن كلمة (أف)، فكيف بمن يصرخ في وجوههما؟ وكيف بمن يسبهما أو يسخر منهما؟ لا شك أن الذنب أعظم والجرم أكبر، ويلٌ لمن عقَّ والديه أو أحدهما، ويل له في الدنيا، فلن يجد إلا الشقاء والخَيبة، ولو كان من أغنى الناس، فلن يبارك الله له في شيء؛ لا في مال، ولا في ولد، ولن يجد طعم السعادة ما دام عاقًّا، وويل له في الآخرة من عذاب الله، فأي ظلم أعظم من أن يظلم الإنسان والديه؟ وأي إساءة أكبر من أن يسيء الإنسان إلى والديه؟

ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن عقَّ والديه فقال: ((ملعون من عقَّ والديه))؛ [صححه الألباني في صحيح الترغيب].

 

واللعن معناه: الطرد من رحمة الله تعالى.

 

أيها الأحبة الكرام...

إن العقوق دَيْنٌ، وكما تدين تُدان، والجزاء من جنس العمل، والعقوق مما يعجَّل عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، فمن عقَّ والديه، سلَّط الله عليه أبناءه، فيُذيقونه من العقوق والإساءة أكثر مما يعق والديه، والواقع يشهد والقصص الكثيرة في ذلك، فاختر لنفسك أخي الكريم كيف تريد أن يعاملك أبناؤك إذا كبر سنك، ورقَّ عظمك، وضعُفت قُواك، فكما تعامل والديك سيعاملك أبناؤك، وما ربك بظلام للعبيد.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنب أجدر أن يعجِّلَ الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم))؛ [رواه أبو داود والترمذي وصححاه]، والوالدان أقرب الأرحام.

 

وللأسف الشديد إنَّ منَّا مَن يفضِّل أصدقاءه على أمه، فتراه ينبسط في جلسة أصدقائه، ويفرح بخدمتهم، وينفق عليهم بسخاء وهو مسرور، ولكن انظر إلى حاله مع أمه أو مع أبيه، لا يطيق الجلوس معهما، وإن جلس تجده متململًا لا يطيق خدمتهما، هذا حال بعض شبابنا وبعض فتياتنا إلا من رحم الله.

 

نعم، يوجد من شبابنا وفتياتنا مَن هم بارُّون بوالديهم، وهؤلاء ندعو لهم ونسأل الله أن يبارك فيهم، وأن يكثر من أمثالهم.

 

وللأسف مِن المتزوجين مَن يفضل زوجته على والديه، وربما يُغضِبُ أمه خاصة ويعاملها معاملة سيئة - عياذًا بالله - إرضاء لزوجته، وتلك زوجة سوء إن كانت ترضى بذلك.

 

فلْنَتَّقِ الله ولنحذر سخط الله، ولْنَتُبْ إلى الله من كل تقصيرٍ حصل منا تجاه الوالدين، ولنتدارك ما تبقى من أعمارنا في رضا الوالدين والإحسان إليهما، إن كانوا أحياء أو أمواتًا؛ فالإحسان لا يتوقف بموتهما، ومَن كان قد مات والداه، فليكثر من الدعاء لهما والصدقة عنهما، فإن هذا مما يصلهما ويُسعِدهما في قبورهما، ويثقِّل موازينهما، وهو من العمل الذي لا ينقطع عن الميت؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

نسأل الله أن يجعلنا من البارين بوالدينا، وأن يرزقنا بِرَّ أبنائنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

=======================ومن الالوكة==

بر الوالدين كفارة للكبائر

 

الحمد لله رب العالمين ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله -عز وجل- والتزموا حدوده التي حدها، واحذروا من تضييع فرائضه وارتكاب مساخطه، ألا وإن مما فرضه ربكم -عز وجل- وأكد عليه وبالغ في الأمر بالاهتمام به والعناية به وأعلى سبحانه من منزلته ورفع شأنه ودرجته: بر الوالدين؛ هذه العبادة العظيمة وهذه القربة العظيمة، التي لها في دين الله -عز وجل- القدر المعلى، والنصيب الأوفى من الأوامر والنواهي، بل هذا الجانب الإنساني الذي يقدره أهل الفطر السوية، والقلوب السليمة، والنفوس الصحيحة، وإن لم يكونوا أهل إسلام.

 

لو لم يرد في دين الله -عز وجل- الأمر ببر الوالدين لكانت المروءة الإنسانية والفطرة البشرية داعية إلى البر بهما، وموجبة ذلك لهما. وإن مما يدعو للحديث عن هذا الموضوع المهم ما يلحظ في أوساط المجتمع من قِبل فئة من الناس ضعفت التقوى عندهم، وانعدمت الشفقة في نفوسهم، وزالت الرأفة من قلوبهم، فتنكروا لوالديهم وعقوهم بأبشع أنواع العقوق، ما بين فترة وأخرى يسمع المرء قصة أو حادثة تنبئ عما وصل إليه كثير من الناس في عقوقهم لوالديهم من انحطاط عظيم.

 

تعريف البر:

من معاني البر في اللغة:

الخير والفضل والصدق والطاعة والصلاح وفي الاصطلاح:

يطلق في الأغلب على الإحسان بالقول اللين اللطيف الدال على الرفق والمحبة، وتجنب غليظ القول الموجب للنفرة، واقتران ذلك بالشفقة والعطف والتودد والإحسان بالمال وغيره من الأفعال الصالحات

 

قيل للحسن: ما برِ الوالدين؟ فقال: تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك، ما لم يكن معصية وذكر أبو اللّيث السّمرقنديّ: «أنّ من حقوق الوالد على ولده أن يطعمه إذا احتاج إلى طعمة، ويكسوه إذا قدر» قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير - رحمهم الله ورضي عنهم - أنه قال: ما برَّ والده من شدَّ الطرف إليه.

 

أيها الإخوة في الله: إن من له أدنى علاقة بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ليلحظ ذلك الكم الهائل من نصوص القرآن والسنة التي تحث على بر الوالدين، وتنهى عن عقوقهما، وليس المقام مقام حصر واستيفاء، وإنما الغرض الإشارة إلى طرف من هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تذكر وتؤكد هذا الحق العظيم، لعلها تكون موقظة عند من ابتلي بكبيرة العقوق.

 

كثيرًا ما يقرن الله - عز وجل - الأمر بطاعة الوالدين بعبادته - سبحانه وتعالى - كما في قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[النساء: 36]، وكما في قوله﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23].

 

وفي هذا الاقتران ما يدل على تعظيم شأن بر الوالدين، بل كثيرًا ما يوصي الله -عز وجل- بالإحسان إلى الوالدين كما في قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان: 14]، وقوله سبحانه: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[البقرة: 83]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15].

 

بل قرن الله - عز وجل - في كتابه الكريم شكر الوالدين بشكره سبحانه، فقال -عز وجل-: ﴿ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ[لقمان: 14]، فأمر الله تعالى الولد بشكر الوالدين، وقرن شكرهما بشكره سبحانه، وهذا والله غاية عظيمة في الوصاية بالوالدين.

 

كيف يقرن الخالق - عز وجل - الأمر بشكره بالأمر بشكر الوالدين؟! وإنما كان ذلك كذلك في حق الوالدين لأنك إذا تأملت فستجد أنهما السبب في وجودك، ثم من حين استقرار النطفة في قرارها إلى أن تولد وهم في حرص عليك، فالحديث كله من قِبل أبيك لأمك: إياكِ، إياكِ، حذرًا على النطفة، ثم يتأهبان لتربيتك وجلب المنافع إليك ودفع المضار عنك، ولو تُرِكتَ بعد والدتك في الأرض أكلتك الهوام وعاقرتك الحشرات.

 

وأما ما جاء في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحثّ على بر الوالدين، فهو كثيرٌ كثير، من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر - أحدهما أو كلاهما - فلم يدخل الجنة". أي: رغم أنف من أدرك والديه في سن الكبر فلم يفعل معهما ما يوجب دخوله الجنة، بل عقهما وفعل معهما ما يوجب تعذيبه، وما يوجب سخط الله - تبارك وتعالى - وغضبه عليه. إلى غير ذلك من الأحاديث التي أكد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أكده الله - عز وجل - في الآيات السابقة من كتابه - تبارك وتعالى- من التوصية ببر الوالدين.

 

وبر الوالدين يستمرّ في ذرية الإنسان وعقبِه من بعده؛ عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفّوا تعِف نساؤكم".

 

كذلك بر الوالدين يزيد في العمر، عن سهل بن معاذ - رضي الله عنه - أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "من بر والديه طوبى له، زاد الله في عمره".

 

وليس بر الوالدين مقصورًا عليهما في الحياة فقط، بل يتعدى إلى ما بعد وفاتهما؛ ففي سنن أبي داود وفي صحيح ابن حبان عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله: هل بقي علي من بر والدي شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟! قال: "نعم، الصلاة عليهما - يعني الدعاء لهما والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك إلا من قبلهما، وإكرام صديقهما"..

 

فاتقوا الله أيها المسلمون: اتقوا الله في الوالدين. فإن حقهما من أعظم الحقوق، وعقوقهما من أكبر الكبائر والآثام. واسمعوا رحمكم الله إلى نصيحة هذا الشاعر، حيث يوجه الأبناء تجاه والديهم، فيقول:

قضى الله أن لا تعبدوا غيره حتما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فيا ويح شخص غير خالقه أما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأوصاكوا بالوالدين فبالغوا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ببرهما فالأجر في ذاك والرحما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فكم بذلا من رأفة ولطافة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كم منحا وقت احتياجك من نعما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأمك كم باتت بثقلك تشتكي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تواصل ومما شقها البؤس والغما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وفى الوضع كم قاست وعند ولادها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مشقا يذيب الجلد واللحم والعظما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكم سهرت وجدا عليك جنونها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأكبادها لهفا بجمر الأسا تحمى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

حنوا وإشفاقا وأكثرت الضما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فضيعتها لما أسنت جهالة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وضقت بها ذرعا وذوقتها سما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وبت قرير العين ريان ناعما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

مكبا على اللذات لا تسمع اللوما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأمك في جوع شديد وغربة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تلين لها مما بها الصخرة الصما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أهذا جزاها بعد طول عنائها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لأنت لذو جهل وأنت إذًا أعمى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

وقال غيره:

لأمك حق لو علمت كبير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كثيرك يا هذا لديه يسير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فكم ليلةٍ باتت بثقلك تشتكي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لها من جواها أنةٌ وزفير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وفي الوضع لو تدري عليك مشقةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فكم غصص منها الفؤاد يطير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ومن ثدييها شربٌ لديك نمير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وكم مرةٍ جاعت وأعطتك قوتها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

حنوًا وإشفاقًا وأنت صغير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فضيعتها لما أسنت جهالةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وطال عليك الأمر وهو قصير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فآهٍ لذي عقل ويتبع الهوى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وواهًا لأعمى القلب وهو بصير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فدونك فارغب في عميم دعائها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فأنت لما تدعو إليه فقير https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

والسؤال المهم في هذه الخطبة: كيف نَبَر والدَينا أحياءً وأمواتًا؟!

هذه بعض الأفكار العملية في بر الوالدين:

أولاً: السمع والطاعة: فإذا أمرك والداك في غير معصية فطاعتهما واجبة، ولو منعاك من الجهاد في سبيل الله، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، إلا إذا تعين عليك الجهاد.

 

ثانيًا: التوقير والاحترام: قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا[الإسراء: 23]، قال الهيثمي: "أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة، وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن، لا سيما عند الكبر...

 

ثالثًا: الدعاء لهما: اجعل الدعاء لهما ملازمًا لك، تذكرهما في سجودك، في وترك، في دعائك المطلق، ادع لهما بالرحمة، بالمغفرة، بالعافية، بالهداية والصلاح، بطول العمر على الطاعة، بحسن الخاتمة، بدخول الجنة والنجاة من النار، بأن يجزيهما عنك خير الجزاء.

 

رابعًا: الترويح عنهما وإدخال السرور عليهما: يمكنك أخذهما في رحلة برية، إلى مكان جميل، إلى جولة داخل المدينة، زيارةِ بعض الأقارب، زيارةِ بعض الأحياء القديمة أو المناطق الأثرية، زيارةِ منزلكم القديم، جيرانِكم السابقين.

 

خامسًا: مدحهما والثناء عليهما: امدح والديك في حضورهما، افتخر بهما، تشرف بالانتساب إليهما، إن نجحت في دراستك فقل: هذا النجاح بفضل الله ثم تربية الوالد والوالدة، إن وُفقت في عمل أو زواج، أو ترقيت في وظيفة أو رزقت بمال فقل: هذا بتوفيق الله ثم دعاء الوالد والوالدة، إذا رأيتهما فقل: الحمد لله أن رزقني والدين مثلكما، ولا تستحيي ولا تتحرج من إدخال السرور عليهما بمثل هذه الكلمات اللطيفة.

 

سادسًا: مشاورتهما وتقديم رأيهما: شاورهما وخذ برأيهما، واعلم أن فيه الخير والبركة، شاورهما في اختيار تخصصك الجامعي، واختيار الزوجة، والسكن، وأسماء الأولاد، ونوع السيارة، واختيار الوظيفة، وسترى التوفيق بإذن الله.

 

سابعًا: الصدقة عنهما: في حياتهما وبعد موتهما، بالتبرع لهما استقلالاً، أو إشراكهما في أجر الصدقات، وبناء المساجد، وحفر الآبار، وطباعة المصاحف، والأوقاف الخيرية العامة ولو بالقليل.

 

قصص في بر الوالدين:

أحبابي في الله: إليكم هذه القصة وبدون مقدمات، ذكر أن أمية الكناني كان عنده ولد اسمه كلاب، وكان شابا صالحا، وحين سمع أن الجهاد أفضل الأعمال في الإسلام، ذهب إلى عمر بن الخطاب، وقال له: أرسلني إلى الجهاد، قال عمر: أحي والداك؟

 

قال: نعم، قال: فاستأذنهما، فاستأذنهما وبعد إلحاح شديد، وافقا على مضض، فقدا وحيدهما وكان شديد البر بهما، يؤنسهما ويساعدهما في كل شؤونهما، ذهب كلاب إلى الجهاد، ومرت الأيام على الأبوين بطيئة ثقيلة، وما لبِث أن اشتد الشوق بالوالد. فصار البكاء رفيقه في ليله ونهاره، وذات يوم جلس أمية تحت شجرة، فرأى حمامه تُطعم فراخها فجعل ينظر، وينشد:

لمن شيخان قد نشدا كلابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كتاب الله لو عقلا الكتابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تركت أباك مرعشة يداه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وأمك لا تسيغ لها شرابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

طويلا شوقه يبكيك فردا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

على حزن ولا يرجوا الإياب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إذا هتفت حمامة بطن وج https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

على بيضاتها ذكرا كلابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

ثم اشتد حزنه على ولده، وطال بكاؤه حتى أصابه ما أصاب يعقوب عليه السلام، فابيضت عيناه من الحزن، وفقد بصره، وصار لا يفتر عن ذكر ولده، ومن شدة ما في قلبه أخذ يدعو على عمر بن الخطاب، ويقول شعرًا:

أعاذل قد عذلت بغير علم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وما تدرى أعاذل ما ألاقي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إن الفاروق لم يردد كلابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

على شيخين سامهما فراق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سأستعدى على الفاروق ربًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

له دفع الحجيج إلى بساق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وادعوا الله مجتهدًا عليه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ببطن الأخشبين إلى زقاق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

فما كان من أحد أصحابه إلا أخذ بيده حتى أقبل به على حلقة عمر بن الخطاب وأجلسه فيها، وهو لا يدرى، ثم قال له صاحبه: يا أبا كلاب، قال: نعم، قال: أنشدنا من أشعارك، ولشدة تعلقه بولده، فإن أول ما تبادر إلى ذهنه:

إن الفاروق لم يردد كلابا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

على شيخين سامهما فراق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

سأستعدى على الفاروق ربا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

له دفع الحجيج إلى بساق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

وادعوا الله مجتهدا عليه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ببطن الأخشبين إلى زقاق https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

فقال عمر: من هذا؟ قالوا: هذا أميه الكناني قال عمر: فما خبره؟ قالوا: أرسلت ولده إلى الثغور، قال: ألم يأذن؟ قالوا: أذن على مضض.

 

فوجه عمر من فوره أن ابعثوا إلى كلاب ابن أمية الكناني على وجه السرعة، فلما مثل كلاب بين يدي عمر، قال له: اجلس يا كلاب، فلما جلس قال له عمر: ما بلغ من برك بأبيك يا كلاب؟ قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أعلم شيئا يحبه أبى إلا فعلته قبل أن يطلبه منى، ولا أعلم شيئا يبغضه أبى إلا تركته قبل أن ينهاني عنه، قال عمر: زدني..

 

قال: يا أمير المؤمنين والله إني لا آلوه جهدي برًا وإحسانًا، قال عمر: زدني، قال كلاب: كنت إذا أردت أن أحلب له آتى من الليل إلى أغزر ناقة في الإبل ثم أنيخها وأعقلها حتى لا تتحرك طوال الليل، ثم استيقظ قبيل الفجر فاستخرج من البئر ماء باردًا، فاغسل ضرع الناقة حتى يبرد اللبن، ثم احلبه وأعطيه أبى ليشرب، قال عمر: عجبًا لك، كل هذا لأجل شربة لبن، فافعل لي كما كنت تفعل لأبيك، قال كلاب: ولكني أود الذهاب إلى أهلي يا أمير المؤمنين، قال عمر: عزمت عليك يا كلاب، فمضى كلاب إلى الناقة فحلب وفعل كما كان يفعل لأبيه، ثم أعطى الإناء لعمر بن الخطاب، قال عمر لمن حوله: خذوا كلاب فادخلوه في هذه الغرفة وأغلقوا عليه الباب.

 

ثم أرسل عمر إلى الشيخ ليحضر، فاقبل يقاد لا يعلم ما يُراد به، فإذا شيخ واهن، قد عظم همه واشتد بكاؤه وطال شوقه، يجر خطاه جرًا، حتى وقف على رأس أمير المؤمنين، فسأله الفاروق يا أمية: ماذا بقى من لذاتك في الدنيا؟ قال: ما بقى لي من لذة يا أمير المؤمنين، قال عمر: فما تشتهى؟ قال أمية: اشتهي الموت، قال عمر: أقسمت عليك يا أمية إلا أخبرتني بأعظم لذة تتمناها الآن قال أمية: أما وقد أقسمت علي، فإني أتمنى لو أن ولدى كلابا بين يدي الآن أضمه واشمه وأقبله قبل أن أموت، قال عمر: فخذ هذا اللبن لتتقوى به، قال أمية: لا حاجة لي به يا أمير المؤمنين، قال عمر: أقسمت عليك يا أمية إلا شربت من هذا اللبن، فلما أخذ الإناء وقربه من فمه، بكى بكاءً شديدًا، وقال: والله إني لأشم رائحة يدي ولدى كلاب في هذا اللبن، فبكى عمر حتى جعل ينتفض من بكائه، ثم قال: افتحوا الباب، فاقبل الولد إلى أبيه فضمه أبوه ضمة شديدة طويلة، وجعل يقبله تارة، ويشمه تارة، وجعل عمر رضي الله عنه يبكي، ثم قال: إن كنت يا كلاب تريد الجنة، فتحت قدمي هذا.

 

عن أنس بن النضر الأشجعي: استقت أم ابن مسعود ماء في بعض الليالي، فذهب فجاءها بشربة، فوجدها قد ذهب بها النوم، فثبت بالشربة عند رأسها حتى أصبح.

 

جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه فقال: إن لي أمًا بلغ بها الكبر، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأوضؤها، وأصرف وجهي عنها؛ فهل أديت حقها؟ قال: لا، قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست نفسي عليها؟ فقال عمر رضي الله عنه: إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تتمنى فراقها.

 

عن أُسير بن عمرو ويقال ابن جابر قال: كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس -رضي الله عنه-، فقال له: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال نعم، قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن؛ من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره؛ فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل "، فاستغفِرْ لي، فاستغفَرَ له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحبَّ إليَّ، فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركتُه رثَّ البيت قليلَ المتاع، قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن؛ من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره؛ فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " فأتى أويسًا، فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي؟ قال لي: لقيت عمر؟ قال: نعم فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه. رواه مسلم.

 

من فوائد (بر الوالدين):

1- من كمال الإيمان وحسن الإسلام.

2- من أفضل العبادات وأجلّ الطّاعات.

3- طريق موصّل إلى الجنّة.

4- الزّيادة في الأجل والنّماء في المال والنّسل.

5- رفع الذّكر في الاخرة وحسن السّيرة في النّاس.

6- من برّ آباءه برّه أبناؤه والجزاء من جنس العمل.

7- برّ الوالدين يفرّج الكرب.

8- من حفظ ودّ أبيه لا يطفأ اللّه نوره.=

رعاية الوالدين عند كبرهما

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصَحبه أجمعين.

 

أمَّا بعدُ:

فمن حِكمة الله - سبحانه - أن خلَق الإنسان فسوَّاه، وجعَله يمرُّ بمراحل تتفاوت فيها قُدراته وإمكاناته، ولكلِّ مرحلة من عُمره خصائصها وميزاتها التي تُميزها عن غيرها من المراحل؛ يقول - سبحانه - مذكِّراً بهذه المراحل: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[غافر: 67].

 

وفي كلِّ طور من هذه الأطوار التي يمرُّ بها الإنسان، سخَّر الله له مَن يَكلؤه ويَعتني به، بدافع الفطرة والرحمة صغيرًا، وبدافع المودة والاحتساب كبيرًا، فمنذ وضَعته أمُّه وهي تَحوطه برعايتها وتُغدق عليه من حنانها، بذَلت مُهجتها، وفرَّغت وقتها، واستعْذَبت انشغالها بوليدها، وأبوه قد شمَّر عن ساعد الجد في تأمين معيشة أسرته التي يَعولها، قد وفَّر الغذاء البدني والرُّوحي لوليده، وجعَله يشعر بالأمان والاستقرار النفسي، إلى أن شبَّ وليدهما عن الطوق، واعتمَد على نفسه في شؤون حياته، واستغنى عن غيره، وبدَأ يشقُّ طريق عيشه، ويكوِّن له أسرة صغيرة، يحوطها ويرعاها، ويؤمِّن لها العيش الكريم.

 

أمَّا الوالدان، فبعد أن أدَّيا واجبَهما وأنفَقا زهرة عُمرهما في رعاية أولادهما، إذا بالسنوات تَزدلف بهما، وتمضي تِباعًا على عجلٍ، فيعلو الشيبُ مفارقهما، ويدبُّ الضَّعف إلى بدنيهما، ويُصبحان في حال يحتاجان فيها إلى مَن حولهما، ولا سيَّما أبناؤهما وبناتهما؛ ليردُّوا إليهما الجميل، أو بعضَ الجميل الذي بذلاه في سبيلهم، وليتقرَّبوا إلى الله تعالى بخدمة والديهم اللذين طالَما تَعِبا ليستريحوا، واهتمَّا واغتمَّا ليَنعموا، وبذلا الكثير ليَنعموا بالعيشة الهنيَّة، فما موقف الأولاد من بنين وبنات من والديهم وهما في هذه الحال؟

 

لقد انقسَم الأولاد إلى قسمين حيال هذه القضية، وبينهما قسم ثالث يتجاذَبه الطرفان؛ أمَّا القسم الأول من الأولاد، فهو مَن هشَّ لوالديه وبشَّ، وسارَع إلى خدمتهما بما يستطيع، مُفرِّغًا وقته وجهدَه لوالديه، مستشعرًا التقرُّب إلى الله تعالى في خدمتهما، وهو يعلم أنَّ الله تعالى خاطبه بقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا[الأحقاف: 15].

 

ويُدرك أن نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أوصى بذي الشيبة المسلم خيرًا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم)).

 

فما بالك إذا كان ذو الشيبة أحدَ والديه؟ إنه يتلمَّس حاجة والديه، ويَبدؤهما بالسؤال عما يريدان ويَشتهيان، ويُسارع في خدمتهما، فهنيئًا لِمَن أكرَمه الله تعالى، فبَرَّ والديه، وقام بحقِّهما. وأمَّا القسم الآخر من الأولاد، فهو مَن ضرَب بالواجب عُرض الحائط، فلم يُبالِ بأمر والديه وقد كَبِرا في السنِّ، وضَعُفت قواهما، وأصبَحا مخدومين بعد أن كانا هما الخادمين، فلا يَزورهما إلاَّ لِمامًا، إن طلبَا منه شيئًا، تثاقَل، وإن اشتَكَيَا إليه أمرًا، تمهَّل، يبحث عن المعاذير التي تحول دون تلبية رغبتهما، يَستكثر ما يَبذله لهما من وقتٍ أو مال، يرى أنَّ خدمة زوجه وبَنيه في الدرجة الأولى، وللوالدين ما يَفضل من الاهتمام والوقت، وبعض الأبناء - هدَاهم الله - يستخفُّ بكبير السن، ويعتقد أن دورَه في الحياة قد انتهى، ويرى أنْ لا فائدة في إشراك والده الشيخ في اتخاذ رأي أو طلب مَشورة؛ لأنه لَم يَعُد له الدور السابق؛ مما يجعل كبيرَ السنِّ عُرضة للإصابة بضيق الصدر والشعور بالعقوق، بل ويُعرِّضه للأمراض النفسية والعضويَّة، وحجة مَن يفعل هذا الصنيع أنَّ التعامل مع كبار السن صعبٌ، وأنهم يحتاجون إلى زمن طويل للتفاهم معهم، ولذا آثَروا البُعد عن النقاش معهم، بل تجد بعض الناس إذا جلسوا في مجلس لتبادُل الأحاديث، وكان معهم كبيرُ سنٍّ، خَفتوا من أصواتهم؛ لئلاَّ يسألهم عن هذا الموضوع أو ذاك، فيشغلوا أنفسهم بالجواب الذي يحتاج إلى تَكرار ليفهمَ المراد.

 

فيا لله، كم دمعة ذرَفها والد أو والدة على ما يُلاقيان من الجحود والاستكبار من أولادهما! كم زفرة حرَّى انطلقَت من أبٍ مكلوم وأمٍّ رؤومٍ، يَشتكيان الهجر والقطيعة من أقرب الناس إليهما!

 

ويا لله، كم من أبٍ وأمٍّ تمنَّيَا أنْ لَم يُرزقا بأولاد، شَقِيَا معهم أوَّل عُمرهما، وها هما يَشقيان بهم في آخره! كم حسرة دُفِنت مع والد في قبره، وكم غُصَّة ضاقَ بها جوفُ أمٍّ لَم تحتمل ما ترى! كم من والد ذاقَ مرارة العقوق وأحسَّ بمشاعر هذا الأب الذي فُجِع بعقوق ابنه، فخاطبه بهذه الأبيات المُبكية، قائلاً:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تَغُلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لِسُقْمِكَ إلاَّ سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِيَ تَهْمِلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

إلَيْهَا مَدَى مَا كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

 

أيها الإخوة المستمعون، اعلَموا أن برَّ الوالدين من خير ما تقرَّب به المتقرِّبون، وهو من أجَل العبادات والقُربات؛ سُئِل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قيل: ثم أي؟ قال: ((برُّ الوالدين))، قيل: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))؛ متفق عليه.

 

فانظروا كيف سبَق برُّ الوالدين الجهاد في سبيل الله على أهميَّته ومكانته في الدين، ومَن أدرَك والديه أو أحدهما، فلم يَدخل بهما الجنة، فهو ممن تشمله دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((رَغِم أنفُ، ثم رَغِم أنف، ثم رَغِم أنف مَن أدرَك أبويه عند الكِبَر أحدَهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة))؛ مسلم.

 

ولو لَم يَرِد في بيان عِظَم حقِّ الوالدين إلاَّ قول الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[الإسراء: 23، 24]، لكان كافيًا.

 

ويَحسُن التنبيه إلى أمور قد يَغفل عنها البعض في التعامل مع كبار السنِّ، وخاصة الوالدين، فمنها: أن المُسنَّ يحتاج إلى الشعور بالحنان والرعاية والعطف، فلا نَبخل عليه بذلك.

 

وثانيها: الحذر من الإلحاح على المسن ومطالبتِه بأن يَقتنع بما نُخبره به؛ حيث إنه لا يتحمَّل الإلحاح، ولكن يُمكن طرْحُ الأمر معه شيئًا فشيئًا ليُمكن إقناعه؛ حيث إن طبيعة هذه المرحلة من العُمر تَفرض بُطئًا في الاستجابة.

 

وثالثها: أنَّ قصور السمع والبصر لدى المُسن يَجعله يبتعد شيئًا فشيئًا عن أحداث الواقع، وذلك يوجب علينا التحدُّث معه ومع مَن حوله بصوت مسموع، مع محاولة جَذْب المُسن للواقع، بإخباره عما يدور حوله، وطَلبِ رأيه، ومداعبته ما أمكَن؛ ليكون قريبًا من مجتمعه، مُدركًا لِما حوله.

 

ورابعها: أن نُدرك أن المُسن يستمتع بالحديث عن الماضي الذي عاش أحداثه، وشَهِد صَوَلاته وجَوَلاته، فعلينا ألاَّ نَحرمه من ذلك، بل نُظهر التفاعل معه والإعجاب بما يقوله.

 

وخامسها: أن نَحرص على إشغال المُسن بما يَنفعه عند ربِّه، بإسماعه القرآن الكريم في الأوقات المناسبة، والقراءة عليه في الكتب الملائمة لمستواه العلمي، وترغيبه في ذِكر الله تعالى قدر الاستطاعة، وإشعاره بضرورة الاحتساب، والصبر على ما يُعانيه من أمراض أو عوارض، فلهذه من الفائدة ما لا يَخفى، ومع ذلك كله لا بدَّ أن يشعرَ الوالدان بقُرب أولادهما منهما، ومحبَّتهم للجلوس معهما والأُنس بهما، وتَسابُقهم في خدمتهما، فلنَكن على علمٍ بهذا، ولنَحرص على برِّ آبائنا وأُمَّهاتنا؛ ففي ذلك الأجرُ من الله تعالى والأثرُ الطيِّب في الدنيا.

 

فمَن وصَل رحمَه وبرَّ والديه، بارَك الله له في المال والولد، وأبقى له الذِّكر الحسن، ومَن أراد أن يَبرَّه أولاده، فليَبرَّ والديه، ومَن عقَّ والديه، فلينتظر العقوق من أبنائه، ولا يأْمَنَنَّ العقوبة العاجلة من الله تعالى؛ فالجزاء من جنس العمل.

 

نسأل الله تعالى بمنِّه وكرَمه، أن يجعلنا من البارِّين لوالديهم الفائزين بالأجر والبر، وأن يرزقَنا برَّ أولادنا؛ إنه على كلِّ شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله ربِّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق